الآلوسي
143
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
لبدل الاشتمال وإن استحسنه الطيبي فكلا أو مبتدأ خبره الجملة الدعائية على التأويل أعني قوله سبحانه : طُوبى لَهُمْ أي يقال لهم ذلك ، أو لا حاجة إلى التأويل والجملة خبرية أو خبر مبتدأ مضمر أو نصب على المدح - فطوبى لهم - حال مقدرة والعامل فيها الفعلان . وقال بعض المدققين : لعل الأشبه وجه آخر وهو أن يتم الكلام عند قوله تعالى : مَنْ أَنابَ ثم قيل : الَّذِينَ آمَنُوا و تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ في مقابلة وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ وقوله سبحانه : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ جملة اعتراضية تفيد كيف لا تطمئن قلوبهم به ولا اطمئنان للقلب بغيره ، وقوله عزّ وجل : الَّذِينَ آمَنُوا بدل من الأول ، وفيه إشارة إلى أن ذكر اللّه تعالى أفضل الأعمال الصالحة بل هو كلها و طُوبى لَهُمْ خبر الأول فيتم التقابل بين القرينتين وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا و الَّذِينَ آمَنُوا و تَطْمَئِنُّ وبين جزئي التذييل : يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ومن الناس من زعم أن الموصول الأول مبتدأ والموصول الثاني خبره و أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ اعتراض و طُوبى لَهُمْ دعاء وهو كما ترى ، و طُوبى قيل مصدر من طاب كبشرى وزلفى والواو منقلبة من الياء كموسر وموقن . وقرأ مكوزة الأعرابي « طيبي » ليسلم الياء ، وقال أبو الحسن الهنائي : هي جمع طيبة كما قالوا في كيسة كوسى . وتعقبه أبو حيان بأن فعلى ليست من أبنية الجموع فلعله أراد أنه اسم جمع ، وعلى الأول فلهم في المعنى المراد عبارات . فأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن المعنى فرح وقرة عين لهم ، وعن الضحاك غبطة لهم ، وعن قتادة حسنى لهم . وفي رواية أخرى عنه أصابوا خيرا ، وعن النخعي خير كثير لهم . وفي رواية أخرى عنه كرامة لهم ، وعن سميط بن عجلان دوام الخير لهم ويرجع ذلك إلى معنى العيش الطيب لهم . وفي رواية عن ابن عباس . وابن جبير أن طُوبى اسم للجنة بالحبشية وقيل بالهندية ، وقال القرطبي : الصحيح أنها علم لشجرة في الجنة ، فقد أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والبيهقي في البعث والنشور ، وصححه السهيلي وغيره عن عتبة ابن عبد قال : « جاء أعرابي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه أفي الجنة فاكهة ؟ قال : نعم فيها شجرة تدعى طوبى هي نطاق الفردوس قال : أي شجر أرضنا تشبه ؟ قال : ليس تشبه شيئا من شجر أرضك ولكن أتيت الشام ؟ قال : لا قال : فإنها تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحد ثم ينتشر أعلاها قال : ما عظم أصلها ؟ قال : لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرما قال : فهل فيها عنب ؟ قال : نعم . قال : ما عظم العنقود منه ؟ قال : مسيرة شهر للغراب الأبقع » والأخبار المصرحة بأنها شجرة في الجنة منتشرة جدا ، وحينئذ فلا كرم في جواز الابتداء بها وإن كانت نكرة فمسوغ الابتداء بها ما ذهب إليه سيبويه من أنه ذهب بها مذهب الدعاء كقولهم : سلام عليك الا أنه ذهب ابن مالك إلى أنه التزم فيها الرفع على الابتداء ، ورد عليه بأن عيسى الثقفي قرأ وَحُسْنُ مَآبٍ بالنصب ، وخرج ذلك ثعلب على أنه معطوف على طوبى وأنها في موضع نصب ، وهي عنده مصدر معمول لقد رأى طاب واللام للبيان كما في سقيا له ، ومنهم من قدر جعل طُوبى لَهُمْ وقال صاحب اللوامح : إن التقدير يا طوبى لهم ويا حسن مآب - فحسن - معطوف على المنادى وهو مضاف للضمير واللام مقحمة كما في قوله : يا بؤس للجهل ضرار الأقوام . ولذلك سقط التنوين من بؤس وكأنه قيل . يا طوباهم ويا حسن مآبهم أي ما أطيبهم وأحسن مآبهم كما تقول : يا طيبها ليلة أي ما أطيبها ليلة ولا يخفى ما فيه من التكلف . وأجاب السفاقسي عن ابن مالك بأنه يجوز نصب حُسْنُ بمقدر أي ورزقهم حسن مآب وهو بعيد . وقرئ « حسن مآب » بفتح النون ورفع « مآب » وخرج ذلك على أن حُسْنُ فعل ماض أصله حسن نقلت ضمة السين إلى الحاء ومثله جائز في فعل إذا كان للمدح أو الذم كما قالوا : حسن ذا أدبا كَذلِكَ أي مثل ذلك